www.sunnaonline.org

أمانة القلم

الأقلام إن استعملت بالخير نشرت الفضائل وإن سخرت لحظ النفس ووساوس الشيطان دمرت المجتمعات أفسدت العقول وحرفت الصواب وقلبت الحقائق وزيفت الأمور، القلم أداة الكتابة والنشر، فبه يعبر الشخص عما في نفسه وما يحمل من أفكار وبه تعرف مقادير الكُتاب إذ أنَ الكاتب ُيقدم للناس ما في نفسه وما يعبر عن داخله، وعن طريقه يُكتب العلم ويُنشر، ويقال للشخص صاحب الكتابات الرصينة النافعة، فلان صاحب قلم نير ومفيد ونفاع، كما يقال لعكسه: ألا فليكسر قلمه وقلم سوء.

والقلم أمانة لأنه أحد اللسانين فمن كتب كأنه نطق إلا أن يكون كتب حكاية عن غيره فيكون ناقلاً عن غيره، والقلم (وهو عبارة عن الكتابة وأن كنا في أيامنا نستعمل الكمبيوتر فكله قلم) والأقلام عديدةٌ ومتنوعة، وأيضاً متفاوتة في الرتب فقلم يقطر حقداً وغيبة وسفاهة وآخر يكتب ما لا منفعة فيه من الأباطيل وقلم جُردَ للحق والخير وكشف الزيف والباطل يرشد الناس إلى ما يهمهم ويصب من معين فكر الكاتب العلم بأمانة وتجرد وشفافية وإخلاص قلم يكتب النصيحة الهادفة والكلام الطيب المفيد، وكم نحن بحاجة إلى هذا القلم، إنه قلم الرد على المبطلين بالحكمة والموعظة الحسنة، وكشف أباطيل المبطلين من الفسقة والشهوانيين والمنافقين، وأصحاب التوجهات المتطرفة المشبوهة الهدامة والافكار المشبوهة المستوردة الغريبة البعيدة عن تقاليدنا وديننا ومجتمعاتنا، مهمة هذا القلم كشفُ عوراتهم على اختلاف أنواعها وأجناسها، وبيانُ تناقضهم وتهافتهم، على تعدد ألوانها وأشكالها، وخروجهم عن الحق ودخولهم في الباطل، وهذا القلم في أيامنا نادرُ الوجود وإنّ وجد حاربَتُه أقلامُ السوء، وأصحابه أهل الحجة و العلم الناصرون لما جاءت به الرسل، المحاربون لأعدائهم، إنه قلم الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأصحاب هذا القلم حربٌ على كل مبطل، وعدو لكل مخالف، فهم في شأن، وغيرهم من أصحاب الأقلام في شأن آخر.

نحتاج في أيامنا من يكتب في توضيح دين الله وشرعه بأسلوب علمي وسهلٍ مُيسر للعامة، وبحاجة إلى من يكتبُ في الرد على المخالفين المشوشين، وأخر يخصص لمخاطبة غير المسلمين وغير العرب، بلغات الشعوب المختلفة. نريد من يكتب الأدب والعلم فقد سئمنا الكتابة في السياسة والمهاترات والكذب والتدليس والتقاذف بين الكتاب بأبشع الألفاظ وأشنعها فإن من ُجعبته فارغة من العلم الرصين والفكر النير والثقافة المفيدة أفرغ من فكره الفاسد وثقافته العفنة تلك المواضيع والكلمات وسخر قَلمه للإفتراء والهراء ناسياً أن من كتَب ونشر فقد قدم للناس ما في ذهنه وما يدل على شخصيته فليتقي الله أصحاب أقلام السوء والمتفيقهين المتبجحين بالتسلط على الناس وعلى دين الله زوراً وبهتانا،ً وليتقي الله المتسترون على أصحاب السوء لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس!!

الأقلام الموبوءة المشبوهة، التي تكتب بلغتنا، وتنطق بلساننا وتحارب ديننا أو تحرفه، أقلام أصحاب القلوب المريضة، والضمائر المستأجرة، والأفكار العفنة الهدامة المتطرفة الشاذة، أقلام تعلمت في مدارس الشيطان والفتنة، فشربت ماءه العكر، وتغذت بعفن الإنحطاط واللاخلاقية، وهي الآن تحاول أن تصوغ عقائد وسلوكيات وأخلاق للجالية على نحو ما عُلّمت ووُجهت، هذه الأقلام صُنعت بأيد ملتوية، ونوايا سيئة، وأفكار منحرفة، وهي تحاول أن تلبس لباس الدين واتباع الرسل والدين والرسل منهم براء، لكي تضفي على نفسها الصبغة الشرعية، ويقبلها أبناء المسلمين وهي تشوه صورة المسلمين وتحرف الشرع القويم بالتنطع والتطرف والتكفير والتنفير والتفرقة والجهل، فمن نبذه أهله ومجه مجتمعه ولم يعرف له سابقة في العلم والثقافة فإنه يلتحق بالأقلام المهاجرة ويصدق نفسه أنه الكاتب والنحرير والمنظر والمحلل بل والمفسر والفقيه والعلامة!، ويخرج إفرازات سمه وخبثه في المهجر، ثم يصدر ذلك بشكل مقالات أو اطروحات، تدخل من أبواب خفية، وتنشر على مرأى ومسمع، وفي وضح النهار، تدعو للشك في عقائد الناس والتحريض واللمز من مقام أشرف الخلق رسل الله عليهم السلام، وهناك أقلام تطرح أيضاً اطروحات غريبةً على مجتمعنا، تحاول أن تقنع الناس بأن ما كنتم عليه طيلة السنوات الماضية فإنه التخلف أو الكفر والفسق فيحرمون على الناس ويحلون من عند أنفسهم ويستحلون دماء الناس هنا وهناك زوراً، ويركز أصحاب هذه الأقلام أيضاً على قضية الصحوة الإسلامية والدفاع عن المظلومين، محاولين تصويرها للناس بأسماء مختلفتة ما بين حضارة وحرية وانفتاح وبين جهادية ودعوة والتزام وغير ذلك وهى فتاوى مزيفة لا علاقة للإسلام بها، فالإسلام دين يدعو للعلم والعقل لا للغفلة والتهور والحكم على الناس بالكفر واستباحة الدماء فكم من قلم كان سبباً في هدر الدم ولو بعد مدة وسنين، فكم عانينا ونعاني ممن كتب في عصرنا تطرفاً وإرهاباً وشجع على قتل الأبرياء تحت ستار الإجتهاد والفقه والتفسير! أليست كتابات المدعو سيد قطب في الخمسنيات والتى فيها التحريض على تكفير الناس جمعياً ومحاربتهم ورميهم بالشرك وأن في قتالهم نصرة للدين وإقامة للحق فعلت ما فعلت؟ فمثل هذا القلم السيال الأسود الذي لا تحركه يد الخير والعلم والنصح بل فيه شبهة وضبابية وانحراف عن الأصل الذي عليه المسلمون بل إن الأمة تكتوى اليوم من شذوذ قلمه وفساد فتاواه وانحراف وتطرف فكره فلس من دين المسلمين تكفير الناس إن لم يثوروا على الحكام بل هذا في مذهب الخوارج المارقين عن الملة الخارجين عن ما كان عليه جمهور المسلمين. واليوم حيث لم يسمع من يحارب أقلام السوء صار أمثال هؤلاء يسمون كتاب ومفسرين ومفكربن ودعاة زوراً وبهتاناً وكتبهم طافحة بالفتن هنا وهناك!!؟ فقبل أن يفتش عن الفاعلين والمنفذين للإرهاب هنا وهناك ليبحث عن من أفتى ورخص وشرع الفكر المتطرف و القتل على هذا النحو، وقد تجرأت هذه الأقلام أحياناً فصارت تكتب كتابات تمس العقيدة وتحرفها عن الأصل الذى جاء به الأنبياء فليس في عقيدة المسلمين اعتقاد الحلول والتشبيه في حق الله فربُنا تعالى الخالق الذى لايشبه شىء ولا يحتاج إلى شىء مستغنى عن الشريك والشبيه والمكان والزمان فهو الخالق وما سواه مخلوق وهو الأول الذي لا ابتداء له ولا أول بهذا المعنى إلا الله تعالى، أوتسخر أيضاً بشئ من الدين كالإستهزاء بأحكام الشريعة من صلاة وصيام وحج ونحو ذلك، ويشم منها رائحة الكفر والإلحاد.

إن هذه الأقلام إن لم يؤخذ على يدها وتفضح ويعرف الناس أنها ليست على شىء، فإن شرها عظيم، لأنه سينشأ جيل جديد تربى على قراءة هذه التوافه والترهات، فإذا صاحب ذلك ضعف علمي ديني كما هو الحال الآن عند أغلب ناشئة اليوم، فماذا تتوقع منه أن يقدم لأمته، وقد أدرك أعداء الملة وخصوم الشريعة والسفهاء وعرفوا كيف يقوضون أركان القوة وينحرون ثقافة الناس ويشوشون أفكارهم، من غير استخدام السلاح، ومن غير إثارة القلاقل وبطريق القلم والكتابة، تُسخر أقلام وتستأجر أخرى ويحدد لها الهدف ثم تدعم وتنشر ويترجم لها وتسوق ويلمع لهؤلاء على الفضائيات وتكرمهم الحكومات وهم يكفرونها ويسترضيهم الحكام وهم من قلبوا الناس عليهم!! فانك ترى التناقض العجيب بين ما يكتبون وما يفعلون حتى إنك لتظن أن هناك شخصيتان بنفس الاسم واحدة تكتب وتألف والأخرى تفعل عكس ماكتبت للناس!! ففي بعض البلاد العربية كتب بعض ما يسومونهم رجال الفكر والدعوة الإسلامية في كتاب له فقال إن الإشتراك بالنظام والحكم كفرٌ وخروجٌ عن الملة ولو كان لمصلحة الأمة، وما هي إلا سنوات بعد نشر كتابه إذ به يترشح للنيابة وللمشاركة بالبرلمان والحكم الذي كَفَرَ مجرد المشاركة به ولما سُئل عن سبب التناقض قال الدعوة تطورت والحال تغير!! فهل الذين حَكم عليهم بالكفر على مر الأيام تزول عنهم هذه الصفة ويصيرون مؤمنين بزعمه على مر السنين سبحانك هذا بهتان عظيم؟!!، وهكذا تبدأ هذه الأقلام تنخر في جسم الأمة، ويكون مفعولها أقوى من رمي القنابل، وضرب المدافع، لأن الأغلب مغيب عن الحقائق، ولا يشعر أنه مستهدف. وأحياناً باسم حرية الرأى والكلمة ُيحرض على البغي والفساد فتصير الكتابة والكذب والتدليس والشتم والتعرض لمكانة الأنبياء والشرائع أو التجرؤ على الله تعالى والعياذ بالله من الإستهزاء بالذات المقدس أو النيل من دين الله أو شرائعه التى أنزلت على الأنبياء عليهم السلام، بل إن الكتابة أمانة وثقافة وعلم وأدلة من غير غش، لذا ينبغي التكاتف جميعاً في إيقاف هذه الأقلام أو على الأقل التقليل من شرها، وتسخير قلم الخير في الاجتهاد في طرح البدائل الصافية، فندعو الكتاب أن يترفعوا عن لغة التقاذف بالألقاب والشتائم وهم يدعون بالأدباء والمفكرين والمثقفين!! ارحموا القراء بكتابة ما يفيدهم في هذه الغربة، ألا يكفي أن الكثير من أولادنا نشأ لا يعرف من العربية إلا القليل وإذا أراد أن يقرأ في بعض الصحف العربية وجدَ ما وجد!! فلنكتب بأمانة ولنتحاور حوار الثقاة الأمناء لا حوار الحاقدين المفترين المتربصين لبعضهم البعض، فمن الغش أن يكتب للناس ما يفسدهم ويأجج نار الفتنة بينهم وليعلم أن الإنسان مسؤول عما يكتب والقلم أمانة والكاتب مؤتمن والله الرقيب علينا.


رابط ذو صله :
القسم : مقالات وردود شرعية
الزيارات : 2461
التاريخ : 25/2/2011